ابن أبي أصيبعة
47
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
اجتمعت له عندي عدة نسخ يونانية فقابلت تلك بعضها ببعض حتى صحت منها نسخة واحدة ، ثم قابلت بتلك النسخة السرياني وصححتها كذلك من عادتي أن أفعل في جميع ما أترجمه » « 1 » . والحقيقة أن ترجمات حنينا بن إسحاق كانت تتسم بالدقة لمعرفته بدقائق الموضوع الذي يقوم بترجمته ، ولهذا اتسم أسلوبه بالاهتمام بالمعنى قبل اللفظ فقد كان حريصا على تأدية المعنى بدقة ، فاهما تماما مقتضيات النشر العلمي ووجوب الرجوع إلى أحسن المخطوطات ، كما أن ترجمته بصفة عامة امتازت برصانة الأسلوب العربي » « 2 » . ومن أبرز خصائص الترجمة عند حنين أنه « كان يحترم النص الأصلي من حيث المضمون ، وفي كثير من الأحيان كان يلتزم بالشكل أيضا ، وهذا يعنى أنه يتميز بعمق النظرة وصحة الاستدلال . وإصابة الفكرة ، فضلا عن التعبير الأنيق والتنغيم العذب ، وكان يوفى الفكرة حقها ، ولا يتسرع في اعتبار هذه الكلمة أو تلك حشوا أو تزيدا وقد برهن على أن المترجم عليه أن يقاوم ميله إلى الاختصار مضحيا بجملة هناك وكلمة هنا . ومن حيث أدوات الربط وجدناه في كثير من الحالات نقل الصور الخيالية والأقوال الدارجة والكلمات المأثورة ووجوه البلاغة الأخرى ، من لغة إلى أخرى وربما كان السبب الحقيقي في هذا أن لكل لغة رصيدها واختلافاتها ، وتباين نظرة الناطقين بها إلى الكون والأشياء « 3 » . ولقد ترجم حنين العديد من الكتب الطبية « وكان جليلا في ترجمته ، وهو الذي أوضح معاني كتب بقراط ، وجالينوس ، ولخصها أحسن تلخيص ، وكشف ما استغلق منها ، وأوضح مشكلها » « 4 » . وإن من يعايش ترجمات حنين العلمية يستطيع أن يلحظ بسرعة أن الرجل كان عاشقا لهذه المهنة ، مالكا لناصية اللغة اليونانية والعربية ، دقيقا في فهم المصطلحات العلمية والطبية ، يملك قدرة عجيبة على تطويع اللفظ العربي للمعنى اليوناني والمصطلح
--> ( 1 ) عبد الرحمن بدوي : دراسات ونصوص في الفلسفة والعلوم عند العرب من رسالة حنين بن إسحاق إلى علي بن يحيى في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس بعلمه وبعض ما لم يترجم . نشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 1981 ص 151 . ( 2 ) جوريخ قنواتى : الصيدلة والعقاقير في العهد القديم والعصر الوسيط ، دار المعارف . القاهرة 1958 ص 121 ، 122 . ( 3 ) ماهر عبد القادر : حنين بن إسحاق العصر الذهبي للترجمة ص 140 . ( 4 ) ابن جلجل : طبقات الأطباء والحكماء تحقيق فؤاد سيد ص 69 .